ابو القاسم عبد الكريم القشيري
271
لطائف الإشارات
في الإمهال ولا يمنعه من الاستنظار ؛ فالمؤمن - إذ أمره الاستغفار والسؤال بوصف الافتقار - أولى ألا يقنط من رحمته ، لأنّ إنظار اللعين زيادة شقاء له لا تحقيق عطاء . قوله جل ذكره : [ سورة الحجر ( 15 ) : آية 39 ] قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 39 ) الباء في : « بِما أَغْوَيْتَنِي » باء القسم ، ولم يكن إغواؤه إياه مما يجب أن يقسم به لولا فرط جهله . ثم هو في المعنى صحيح ، لأنّ الإغواء مما يتفرّد الحق بالقدرة عليه ، ولا يشاركه فيه أحد ، ولكنّ اللّعين لا يعرف اللّه على الحقيقة ، إذ لو عرفه لم يدع إلى الضلال ، لأنه لو قدر على إضلال غيره لا ستبقى على الهداية نفسه . وعند أهل التحقيق إنه يقول جميع ذلك حدسا وهو لم يعرف اللّه - على الحقيقة - قطّ . قوله جل ذكره : [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 40 إلى 41 ] إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 40 ) قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ( 41 ) الإخلاص هو تصفية الأعمال عن الغين وعن الآفات المانعة من صالح الأعمال وقد علم اللعين أنه لا سبيل له إليهم بالإغواء لمّا تحقق من عناية الحقّ بشأنهم . « قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ » تهديد ، كما تقول : افعل ما شئت . . وهذا طريقي . قوله جل ذكره : [ سورة الحجر ( 15 ) : آية 42 ] إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ( 42 ) السلطان الحجة ، وهي للّه على خلقه ، وليس للعدوّ حجة على مخلوق ، إذ لا تتعدّى مقدرته محلّه ، فلا تسلّط - في الحقيقة « 1 » - لمخلوق على مخلوق بالتأثير فيه . « إِنَّ عِبادِي . . . » : إذا سمى اللّه واحدا عبدا فهو من جملة الخواص ، فإذا أضافه إلى نفسه فهو خاص الخاص ، وهم الذين محاهم عن شواهدهم ، وحفظهم وصانهم عن أسباب التفرقة
--> ( 1 ) نلاحظ أن القشيري يكثر في هذا الموضوع من قوله ( في الحقيقة ، وعلى الحقيقة . . . ونحو ذلك ) والسبب في ذلك راجع إلى أن ظاهر النصوص أن لإبليس إرادة وفعلا ، ولكن - في الحقيقة - كل شئ مرده إلى الحق سبحانه .